ابن كثير

47

البداية والنهاية

سعتها ، ومن جور الأديان إلى عدل الاسلام ، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه ، فمن قبل ذلك قبلنا منه ورجعنا عنه ، ومن أبى قاتلناه أبدا حتى نفضي إلى موعود الله . قالوا : وما موعود الله ؟ قال : الجنة لمن مات على قتال من أبى ، والظفر لمن بقي . فقال رستم : قد سمعت مقالتكم فهل لكم أن تؤخروا هذا الامر حتى ننظر فيه وتنظروا ؟ قال نعم ! كم أحب إليكم ؟ يوما أو يومين ؟ قال : لا ، بل حتى نكاتب أهل رأينا ورؤساء قومنا . فقال : ما سن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نؤخر الأعداء عند اللقاء أكثر من ثلاث ، فانظر في أمرك وأمرهم واختر واحدة من ثلاث بعد الاجل ، فقال : أسيدهم أنت ؟ قال ! لا : ولكن المسلمون كالجسد الواحد يجير أدناهم على أعلاهم . فاجتمع رستم برؤوساء قومه فقال : هل رأيتم قط أعز وأرجح من كلام هذا الرجل ؟ فقالوا معاذ الله أن تميل إلى شئ من هذا وتدع دينك إلى هذا الكلب ، أما ترى إلى ثيابه ؟ فقال : ويلكم لا تنظروا إلى الثياب ، وانظروا إلى الرأي والكلام والسيرة . إن العرب يستخفون بالثياب والمأكل ، ويصونون الأحساب . ثم بعثوا يطلبون في اليوم الثاني رجلا فبعث إليهم حذيفة بن محصن فتكلم نحو ما قال ربعي . وفي اليوم الثالث المغيرة بن شعبة فتكلم بكلام حسن طويل . قال فيه رستم للمغيرة : إنما مثلكم في دخولكم أرضنا كمثل الذباب رأى العسل . فقال من يوصلني إليه وله درهمان ؟ فلما سقط عليه غرق فيه ، فجعل يطلب الخلاص فلا يجده ، وجعل يقول من يخلصني وله أربعة دراهم ؟ ومثلكم كمثل ثعلب ضعيف دخل جحرا في كرم فلما رآه صاحب الكرم ضعيفا رحمه فتركه ، فلما سمن أفسد شيئا كثيرا فجاء بجيشه ، واستعان عليه بغلمانه فذهب ليخرج فلم يستطع لسمنه فضربه حتى قتله ، فهكذا تخرجون من بلادنا . ثم استشاط غضبا وأقسم بالشمس لأقتلنكم غدا . فقال المغيرة : ستعلم . ثم قال رستم للمغيرة : قد أمرت لكم بكسوة . ولأميركم بألف دينار وكسوة ومركوب وتنصرفون عنا ( 1 ) . فقال المغيرة : أبعد أن أوهنا ملككم وضعفنا عزكم ، ولنا مدة نحو بلادكم ونأخذ الجزية منكم عن يد وأنتم صاغرون وستصيرون لنا عبيدا على رغمكم ؟ ! فلما قال ذلك استشاط غضبا . وقال ابن جرير حدثني محمد بن عبد الله بن صفوان الثقفي ثنا أمية بن خالد ثنا أبو عوانة عن حصين بن عبد الرحمن . قال قال أبو وائل : جاء سعد حتى نزل القادسية ومعه الناس قال : لا أدري لعلنا لا نزيد على سبعة آلاف أو ثمانية آلاف بين ذلك ، والمشركون ثلاثون ألفا ونحو ذلك ، فقالوا لا يد لكم ولا قوة ولا سلاح ، ما جاء بكم ؟ ارجعوا . قال : قلنا ما نحن براجعين ، فكانوا يضحكون من نبلنا ويقولون دوك دوك وشبهونا بالمغازل . فلما أبينا عليهم أن نرجع قالوا : ابعثوا إلينا رجلا من عقلائكم يبين لنا ما جاء بكم . فقال المغيرة بن شعبة ، أنا : فعبر إليهم فقعد مع رستم على السرير فنخروا وصاحوا ، فقال : إن هذا لم يزدني رفعة ولم ينقص صاحبكم . فقال

--> ( 1 ) في الطبري : فأنا آمر لأميركم بكسوة وبغل وألف درهم وآمر لكل رجل منكم بوقر تمر وبثوبين وتنصرفون عنا